أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
139
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وعشرين وهذا يقع في الإيجاب ، ألا ترى أنه بمعنى واحد . وقال أبو العباس : « إن أحدا ووحدا وواحدا بمعنى » . وقوله : أَوْ يُحاجُّوكُمْ « أَوْ » في هذه القراءة بمعنى حتى ، ومعنى الكلام : أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تذكرونه لغيركم حتى يحاجّوكم عند ربكم . قال الفراء : « ومثله في الكلام : تعلّق به أو يعطيك حقك ، ومثله قول امرئ القيس : 1341 - فقلت له لا تبك عينك إنّما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا « 1 » أي : حتى ، ومن هذا قوله تعالى : « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » « 2 » قال : « فهذا وجه ، وأجود منه أن تجعله عطفا على الاستفهام ، والمعنى : أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجّكم أحد عند اللّه تصدّقونه وهذا كله معنى قول الفارسي . ويجوز أن يكون « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » منصوبا بفعل مقدر لا على سبيل التفسير ، بل لمجرد الدلالة المعنوية تقديره : أتذكرون أو أتشيعون أن يؤتى أحد ، ذكره الفارسي أيضا ، وهذا هو الوجه الرابع . الخامس : أن يكون « أَنْ يُؤْتى » في قراءته مفعولا من أجله على أن يكون داخلا تحت القول لا من قول الطائفة . وهو أظهر من جعله من قول الطائفة . وقد ضعّف الفارسي قراءة ابن كثير فقال : « وهذا موضع ينبغي أن ترجّح فيه قراءة ابن كثير ، لأنّ الأسماء المفردة ليس بمستمر فيها أن تدلّ على الكثرة » . وقرأ الأعمش وشعيب بن أبي حمزة : « أَنْ يُؤْتى » بكسر الهمزة ، وخرّجها الزمخشري على أنها : « إن » النافية فقال : « على إن النافية ، وهو متصل بكلام أهل الكتاب أي : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم : ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجّوكم عند ربكم ، يعني لا يؤتون مثله فلا يحاجّونكم » . وقال ابن عطية : « وهذه القراءة تحتمل أن يكون الكلام خطابا من الطائفة القائلة ، ويكون قولها « أَوْ يُحاجُّوكُمْ » بمعنى : أو فليحاجّوكم وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي ، أو تكون بمعنى : إلّا أن يحاجّوكم ، وهذا على تجويز أن يؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له » فقد ظهر على ما ذكر ابن عطية أنه يجوز في « أَوْ » في هذه القراءة أن تكون على بابها من كونها للتخيير والتنويع ، وأن تكون بمعنى « إِلَّا » ، « إلّا أنّ فيه حذف حرف الجزم وإبقاء عمله ، وهو لا يجوز ، وعلى قول غيره تكون بمعنى حتى . وقرأ الحسن : « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » على بناء الفعل للفاعل . ولمّا نقل هذه القراءة بعضهم لم يتعرّض ل « ان » بفتح ولا كسر كأبي البقاء ، وتعرّض لها بعضهم فقيّدها بكسر « إن » وفسّرها ب « إن » النافية ، والظاهر في معناها أن إنعام اللّه لا يشبهه إنعام أحد من خلقه ، وهي خطاب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته ، والمفعول محذوف تقديره : إن يؤتى أحد أحدا مثل ما أوتيتم ، فحذف المفعول الأول وهو « أحدا » لدلالة المعنى عليه ، وأبقي الثاني . وهذا ما تلخّص من كلام الناس في هذه الآية مع اختلافه وللّه الحمد . قال الواحدي : « وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيرا ، ولقد تدبّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية ، فلم أجد قولا يطّرد في هذه الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى وصحة النظم » .
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 66 ) ، الخصائص 1 / 63 ، رصف المباني ( 133 ) ، ابن يعيش 7 / 22 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 128 ) .